محمد الغزالي
26
خلق المسلم
فالنفس كلما ألفت موطنا لشهواتها أحبت الانتقال منه إلى موطن آخر . وهي في رتعها الدائم لا تبالي بارتكاب الآثام واقتراف المظالم . ومن ثمّ حذر القرآن من اتباع هذه الأهواء المحرمة : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ « 1 » . ويقول - عن مسالك الكافرين وضرورة معارضتها - : . . . وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ . بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ « 2 » . ولا بد من التفريق بين أهواء النفس المحرمة ومطالبها المعقولة المقررة ، فإن كثيرا من المتدينين يخلط خلطا سيئا بين الأمرين . وذلك أن الإنسان إذا كانت له مطالب من متاع الحياة وسعتها التي لا حرج فيها ، فأفهم خطأ أن هذه المطالب من الرذائل المحظورة فستكون النتيجة أن يقبل على هذه المطالب المحتومة بضمير من يستبيح الجرائم ، ويرضى بالتدلي إليها ، وضميره في الحقيقة ضحية خطأ شنيع . ولكنه ما دام قد فهم أنه أصبح مسيئا ، وأن الرذيلة جزء من حياته ، فسينتقل منها إلى عمل منكرات أشد ، أي : منكرات حقيقية في هذه المرة ! وقد لاحظ القرآن الكريم هذه الناحية ، فنص في صراحة على إباحة الرغائب السليمة للنفس ، وترك لها فرصة التوسع الطيب ، وعدّ التدخل بالحظر والتحريم والتضييق على النفس - في هذه الدائرة الكريمة - قرينا لعمل السوء والفحشاء ! لأنه مدرجة إلى عمل السوء والفحشاء . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ، وَلا
--> ( 1 ) ص : 26 . ( 2 ) المؤمنون : 71 .